ابن قيم الجوزية

20

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

العقل ويحل ما حرم اللّه ورسله ويحرم ما أحله اللّه ورسله ومعلوم ان الكاذب على اللّه في دعوى الرسالة وهو شر خلق اللّه وافجرهم وأظلمهم واكذبهم ، ولا يشك من له أدنى عقل أن إطباق أكثر الأمم على متابعة هذا النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم وخروجهم عن ديارهم وأموالهم ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته وبذلهم نفوسهم بين يديه من أمحل المحال ، فتجويز اختيارهم الكفر بعد تبين الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أولى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها ، وهم أعقل الأمم وأكملها في جميع خصال الفضل . واين عقول عباد العجل وعباد الصليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين ؟ ! ! وإذا جاز اتفاق أمة - فيها من قد ذكره هذا السائل - على أن رب العالمين وخالق السماوات والأرضين نزل عن عرشه وكرسي عظمته ودخل في بطن امرأة في محل الحيض والطمث عدة شهور ثم خرج من فرجها طفلا يمص الثدي ويبكي ، ويكبر شيئا فشيئا ، ويأكل ويشرب ويبول ، ويصح ويمرض ، ويفرح ويحزن ، ويلذ ويألم ، ثم دبر حيلة على عدوه إبليس بأن مكن أعداءه اليهود من نفسه ، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما ، وهم يجرونه إلى الصلب ، والأوباش والأراذل قدامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره ، وهو يستغيث ويبكي فقربوه من الخشبتين ، ثم توجوه بتاج من الشوك ، وأوجعوه صفعا ، ثم حملوه على الصليب وسمروا يديه ورجليه وجعلوه بين لصين ، وهو الذي اختار هذا كله لتتم له الحيلة على إبليس ليخلص آدم وسائر الأنبياء من سجنه ، ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن إبليس ، وإذا جاز اتفاق هذه الأمة وفيهم الأحبار والرهبان والقسيسون والزهاد والعباد والفقهاء ومن ذكرتم على هذا القول في معبودهم وإلههم حتى قال قائل منهم وهو من أكابرهم عندهم : اليد الذي خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصلب ، فكيف لا يجوز عليهم الاتفاق على تكذيب من جاء بتكفيرهم وتضليلهم ، ونادى سرا وجهرا بكذبهم على اللّه شتمهم له أقبح شتم ، وكذبهم على المسيح ، وتبذيلهم دينه ، وعاداهم